أبي حيان الأندلسي
176
البحر المحيط في التفسير
تطبع على قلوبهم . فشرع أشرافهم في تنقيص متبعيه ، وأن الحامل على انتفاء إيمانهم له ، كونه اتبعه الأرذلون . وقوله : وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ، جملة حالية ، أي كيف نؤمن وقد اتبعك أراذلنا ، فنتساوى معهم في اتباعك ؟ وكذا فعلت قريش في شأن عمار وصهيب . والضعفاء أكثر استجابة من الرؤساء ، لأن أذهانهم ليست مملوءة بزخارف الدنيا ، فهم أدرك للحق وأقبل له من الرؤساء . وقرأ الجمهور : واتبعك فعلا ماضيا . وقرأ عبد اللّه ، وابن عباس ، والأعمش ، وأبو حيوة ، والضحاك ، وابن السميفع ، وسعيد بن أبي سعد الأنصاري ، وطلحة ، ويعقوب : واتباعك جمع تابع ، كصاحب وأصحاب . وقيل : جمع تبيع ، كشريف وأشراف . وقيل : جمع تبع ، كبرم وإبرام ، والواو في هذه القراءة للحال . وقيل : للعطف على الضمير الذي في قوله : أَ نُؤْمِنُ لَكَ ، وحسن ذلك للفصل بلك ، قاله أبو الفضل الرازي وابن عطية وأبو البقاء . وعن اليماني : واتباعك بالجر عطفا على الضمير في لك ، وهو قليل ، وقاسه الكوفيون . والأرذلون : رفع بإضمارهم . قيل : والذين آمنوا به بنوه ونساؤه وكنانة وبنو بنيه ، فعلى هذا لا تكون الرذالة دناءة المكاسب ؛ وتقدم الكلام في الرذالة في هود في قوله : إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا « 1 » ، وأرادوا بذلك تنقيص نوح عليه السلام ، إذ لم يعلموا أن ضعفاء الناس هم أتباع الرسل ، كما ورد في حديث هرقل . وهذا الذي أجابوا به في غاية السخافة ، إذ هو مبعوث إلى الخلق كافة ، فلا يختلف الحال بسبب الفقر والغنى ، ولا شرف المكاسب ودناءتها . وقال ابن عطية : ويظهر من الآية أن مراد قوم نوح نسبة الرذيلة إلى المؤمنين ، بتهجين أفعالهم لا النظر إلى صنائعهم ، يدل على ذلك قول نوح : وَما عِلْمِي الآية ، لأن معنى كلامه ليس في نظري ، وعلمي بأعمالهم ومعتقداتهم فائدة ، فإنما أقنع بظاهرهم وأجتزئ به ، ثم حسابهم على اللّه تعالى ، وهذا نحو ما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه » ، الحديث بجملته انتهى . وقال الكرماني : لا أطلب العلم بما عملوه ، إنما على أن أدعوهم . وقال الزمخشري : وما علمي ، وأي شيء علمي ، والمراد انتفاء علمه بإخلاص أعمالهم واطلاعه على سرائرهم ؛ وإنما قال هذا لأنهم قد طعنوا في استرذالهم في إيمانهم ، وأنهم لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة ، وإنما آمنوا هوى وبديهة ، كما حكى اللّه عنهم في قوله : الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادئ الرأي . ويجوز أن يتعالى لهم نوح
--> ( 1 ) سورة هود : 11 / 27 .